site meter

search

Google

result

Thursday, December 16, 2010

والحكمة عمانية

د.علي سيف حسن
رئيس منتدى التنمية السياسية في البمن السعيد الإهداء إلى الصديق محمد بن سعيد بن حارب المحروقي الذي برفقته تعرفت على ملامح الحكمة العمانية.


لا أجد سبباً منطقياً ومقنعاً لكتابة انطباعاتي الشخصية عن زيارتي لعمان وأنا كثير الأسفار إلى معظم بلدان العالم ولم يسبق أن كتبت شيئاً عن أي من تلك الزيارات، قد يكون السبب أو الدافع لما اكتبه اليوم هو حجم ومدى الاختلاف بين ما كنت أتوقعه وبين ما وجدته في عمان.

زرت عمان لمدة ثلاثة أيام، من فجر يوم 6 إلى مغرب يوم 8 ديسمبر 2010 للمشاركة في مؤتمر البحث العلمي الذي نظمه مجلس البحث العلمي في سلطنة عمان بالشراكة مع شبكة التعاون الدولية للعلوم والتكنولوجيا ومنتدى التنمية السياسية عضو فيها. بدأت ملامستي لزيارة عمان من اتصالي بالصديق السفير عبد الله بن حمد البادي سفير عمان وعميد السفراء في اليمن الذي أجابني من عدن، حيث كان برفقة الفريق العماني المشارك في خليجي 20، كان ذلك في نهاية الأسبوع طلب مني إرسال صورة الدعوة التي بحوزتي إلى رقم فاكس بالسفارة وان اذهب يوم السبت ومعي جواز سفري إلى مقر السفارة.

عندما قدمت نفسي لموظف الاستقبال في السفارة اخبرني بأنه يتوقع حضوري، اخذ مني جواز السفر وصورتي الشخصية وطلب مني الانتظار لبضع دقائق، كنت أتوقع أن يأتيني باستمارات لتعبئتها وشروط لاستيفائها لكي ينظروا في منحي التأشيرة، ولكن ما هي إلا دقائق وجاءني بجواز سفري مختوماً بالتأشيرة المجانية.

لم أجد وسيلة للتعبير عن شكري وتقديري لسعادة السفير، وها أنا الآن افعل. نعم سعادة السفير إنني ممتن لتعاملكم المتميز والحضاري. وصلت مطار مسقط قرب الفجر،

وأثناء انتظاري في طابور الجوازات المزدحم، كنت قد طوعت نفسي لما أصبح مألوفاً لدينا نحن اليمنيين كثيري الأسفار من تعامل استثناني من قبل موظفي الجوازات في مطارات العالم بشكل عام ومطارات أشقائنا في دول الخليج العربية بشكل خاص.

لم أجد شيئاً من ما كنت أتوقعه، تعامل معي رجل الجوازات كما يتعامل مع كل المسافرين أو على الأقل هذا ما لاحظته من تعامله مع من كانوا قبلي في الطابور، لم تتغير ملامحه عندما رأى جوازي اليمني، سألني سؤالاً واحداً فقط عن المدة التي سأقضيها في عمان.

في ساحة المطار ذهبت إلى محل للصرافة لاستبدال ما معي من عملة بالريال العماني، كانت الساعة حوالي الثالثة والنصف فجرا، لفت انتباهي إن من تعمل في المحل هي فتاة تبدو عليها الملامح العمانية، ولأني فضولي بطبعي، أو لأقل إنني مهتم بقضية المرأة فقد لفت انتباهي وجود امرأة عربية في دولة من دول جوارنا تعمل لوحدها في هذه الساعة من الليل، سألتها إن كانت عمانية، ردت بثقة، نعم أنا عمانية.

ظلت حالة المرأة العمانية حاضرة في ذهني طوال زيارتي، من خلال التساؤل والمشاهدة والبحث عرفت إن المرأة العمانية امرأة عاملة ومشاركة في الوظيفة الخاصة والعامة بصورة حقيقية وليست مجرد إكسسوار سياسي.

المرأة العمانية موجودة في الجيش والأمن منذ بداية السبعينات، ثلاث نساء يشغلن مناصب وزارية هامة، سفيرا عمان في كل من واشنطن وهولندا نساء، المرأة العمانية موجودة فعلاً في كل مستويات العمل، هي نادلة في المطعم ومنظفة في الفندق وهي أستاذة في الجامعة وباحثة في المختبرات وأخيرا في الإدعاء العام.

في طريقي من المطار إلى الفندق توقف سائق التاكسي العماني أمام إشارة المرور الحمراء في الساعة الرابعة فجرا وحيث لم يكن هنالك لا سيارات ولا أشخاص ولا مرور، كنا لوحدنا، استبطأت مدة الانتظار وأردت أن أشجعه على تجاوز الإشارة الحمراء ، قلت له إننا في صنعاء نتجاوز إشارات المرور في مثل هذا الوقت، رد نحن نحترم النظام في كل الأوقات.

وكانت قضية المرور وتعامل الناس معها هي القضية الثانية التي ظلت معي للتأمل والتعرف، ففي مساء اليوم الأول قررنا أنا وعدد من الزملاء الأجانب المشاركين في المؤتمر أن نذهب لنتناول العشاء في مطعم يبعد بالسيارة عن فندق إقامتنا بحوالي 15 دقيقة، نبهنا زملاؤنا العمانيين بأن تلك الليلة هي الليلة الأولى من ليالي أعياد رأس السنة الهجرية التي يحتفي بها العمانيون باهتمام شعبي كبير، وان الشركات تتسابق في هذه المناسبة لتقديم أفضل عروض للألعاب النارية على مدى ثلاث ليال تحت تحكيم من قبل لجنة خاصة لاختيار أفضل العروض.

 نصحونا بأنه من الأفضل أن نذهب إلى مطعمنا قبل الثامنة موعد انطلاق الألعاب النارية بوقت كاف. لم نفهم مدى أهمية النصيحة، مع بداية الطريق بدأ المرور بالازدحام ومع إنطلاق الألعاب النارية توقفت حركة المرور نهائياً حيث توقفت كل السيارات وسط الطريق للاستمتاع والابتهاج بمشاهدة الألعاب النارية، توقفت سيارتنا مع الجميع، شاركنا الأسر العمانية مشاهدة الألعاب النارية ونحن وسط الطريق العام، ومع انتهاء الألعاب النارية بدأت السيارات لا أقول بالسير أو بالحركة ولكن بالتزحزح إلى الأمام، هيئ لي حينها بأن كل سكان مسقط قد خرجوا مع عائلاتهم للاستمتاع والابتهاج بهذه المناسبة. مع طول وقت تزحزح السيارات سمعنا سائق التاكسي يتصل تلفونياً ببيته ليخبرهم بأنه قد لا يستطيع العودة إلى البيت قبل الثانية عشرة وطلب منهم أن يحتفظوا له بعشائه، لم يكن لدينا وسيلة للاتصال بالمطعم ليحتفظ لنا بعشائنا، استحضرنا أقصى ما لدينا من حكمة وحصافة لمنع ظهور ملامح التذمر.

استحضرت قضية المرور وتذكرت تصرف سائق التاكسي أمام إشارة المرور الحمراء في طريق المطار وانتظرت اللحظة التي سيبدأ بها السائقون إطلاق نفير سياراتهم واستنفار كل كلمات ومصطلحات الشتم يطلقها كل سائق باتجاه السائق الذي أمامه ثم اندفاع أصحاب الطبائع الحامضة بصموا لهم (هراواتهم) وبكل ما توفر بأيديهم نحو أي ممن يجدونه أمامهم. بعد حوالي ساعتين من التزحزح وصلنا إلى مقربة من مطعمنا فاخترنا أن نكمل مسيرتنا مشياً على أقدمانا ولم اسمع نفير سيارة ولم أر رغوة صفراء مصاحبة لهياج سائق غاضب، كان الهدوء وضحكات الأطفال المطلة رؤوسهم من نوافذ سياراتهم هي الحاضرة فقط.

مع افتتاح المؤتمر في موعده المحدد بالضبط لفت انتباهي أن مؤتمراً علمياً إقليمياً ودولياً يقام تحت رعاية وكيل وزارة، اعتبرت ذلك تقليلاُ من أهمية المؤتمر أو من شأن المؤتمرين، في الموعد المحدد وصل الدكتور عبد الله بن محمد الصارمي وكيل وزارة البحث العلمي، دخل بهيبة رجل دولة، ألقى كلمة الافتتاح بلغة ورؤية رجل دولة، وفي اليوم التالي قرأت الصحف العمانية التي غطت افتتاحه للمؤتمر بما يستحقه رجل دولة رفيع المستوى، وبهذا وجدت موضوعاً آخر للتساؤل، عن هيكل الدولة وصلاحيات المستويات المختلفة، عرفت بأن منصب وكيل الوزارة في سلطنة عمان منصب رفيع المستوى ويتمتع بالصلاحيات والسلطة الفعلية التي تتناسب مع هذا المنصب.

في اليوم الثالث لزيارتي كنت على موعد مع صديقي العزيز الأستاذ محمد بن سعيد المحروقي الذي سبق أن تعرفت عليه قبل عدة أيام أثناء مشاركتنا في مؤتمر دولي في أثينا باليونان.

عندما علم بزيارتي إلى مسقط عرض استضافتي ليعرفني على العاصمة مسقط، تغلب على آلام ظهره التي استثارها طول البقاء على الكراسي في مؤتمر أثينا، وأراد إلا أن يفي بوعده.

بدأت جولتنا مع الظهر فكان الجامع الأكبر ( جامع سعادة السلطان قابوس) هو وجهتنا الأولى، أدينا صلاة الظهر، كان إمامنا يضم وكان الكثيرون من المصلين يسربلون، البعض منهم أكمل وجمع والبعض الآخر لم يجمع، كان الأمر بمنتهى السلاسة باعتباره أمراً عادياً وحالة دائمة الحدوث. في جولتي داخل وحول الجامع الذي افتتح في عام 2002شاهدت تحفة معمارية فنية بديعة يتميز عن غيره من التحف المعمارية بدقة التفاصيل الصغيرة وذلك التناسق والتناغم بين الألوان، كان مزيجا بديعا من ألوان الطمأنينة، نعم هذه التسمية التي اعتقد إنها تتناسب مع ذلك التناغم الراقي والناعم بين الألوان والأشكال الهندسية والبيئة المحيطة. لا أبالغ إن قلت إنني وجدت في كل ذلك انعكاساً لتلك السجية المطمئنة البادية في ملامح الشخصية العمانية.

في مدخل الجامع توجد المكتبة وقاعات المحاضرات، وأمام الجامع توجد حديقة تظلل مواقف السيارات ومسارات المشاة ومع نهاية الحديقة يوجد المعهد العلمي وسكن الطلاب. ومع مرورنا بمحاذاة الأحياء السكنية المتكاملة وحي السفارات والوزارات وبين الشوارع الرئيسية والفرعية الغنية والفقيرة والحدائق والمتنزهات المنتشرة كانت النظافة هي القاسم المشترك، كما كانت الزهور المنسقة والمرتبة بتناسق بديع حاضرة بامتداد الشوارع الداخلية والرئيسية. وصلنا إلى حي مسقط القديمة حيث المقر الرسمي لسعادة السلطان قابوس وبعض من مؤسسات الدولة السيادية، لم أجد ثكنات الحراسة ولا مطبات وحواجز المرور، بل وجدت ارتال من السياح والمواطنين يتمتعون بالتجوال آمنين حول قصور السلطان ومقرات دولته. فكان الأمن هو القضية الجديدة لتساؤلاتي ومشاهداتي، لقد تأكد لي بأن الأمن في عمان يأتي في مقدمة اولويلات الدولة، وان مستوى الأمن في عمان يتجاوز بمراحل مستوياته في أي من دول الجوار، ولكنه غير باد للعيان ولا مستفز أو مرهق للناس، لقد عرفت بأن السبب يعود إلى العقيدة أو الإستراتيجية الأمنية في السلطنة، فالأمن في عمان هو أمن لكل عمان ولكل مواطن عماني، الأمر الذي لا يجعل احداً مهما كان مستواه وأهميته أن يستحدث له أمنه الخاص به.

بعد تناولنا الغداء أكملنا جولتنا في بقية المناطق الخارجية من العاصمة، حيث تتواجد المنتجعات السياحية الراقية، وفي طريق عودتنا كانت مفاجئتي الكبرى دار الأوبرا العمانية ، لم يخطر ببالي من قبل ولا اعتقد انه خطر ببال أي منكم أن توجد دار للأوبرا في أي مدينة عربية في عصرنا هذا، فدار الأوبرا في القاهرة قد وجدت في عصر غير عصرنا، فكيف يمكن أن توجد دار للأوبرا في عاصمة خليجية؟ هنا حسمت ترددي وقررت العودة لزيارة عمان لذاتها وليس من اجل المشاركة في مؤتمر، وان تكون زيارتي القادمة مع افتتاح دار الأوبرا العمانية المتوقع في منتصف العام القادم بإذن الله. وبالتأكيد حينها لن يكون هنالك فارق بين توقعاتي وما سأجده ولهذا فلن اكتب عن تلك الزيارة المنتظرة.

لم أقدم بيانات ومعلومات عن ما أنجزته الحكمة العمانية، فهي كثيرة ومتوفرة في الكثير من وسائل الأعلام، ويأتي قي مقدمتها ما حققته السلطنة من مستوى متقدم بين دول العالم في مجال التنمية البشرية والصحة العامة والارتفاع المتتالي لمتوسط الدخل السنوي للفرد العماني والذي بلغ أخيرا حوالي 25 ألف دولار، وقد انعكس كل ذلك على متوسط عمر المواطن العماني ليبلغ 73,97 سنة، ما يعني إن المواطن العماني وبفضل الحكمة العمانية قد تجاوز وودع تلك الحياة التي تقصر العمر. هل غابت السياسة وهمومها عن مناقشاتي وتساؤلاتي ومشاهداتي؟، بالتأكيد لم تغب لقد كانت حاضرة طوال الوقت ولكنها ليست موضوع مقالي هذا.

منقول من

No comments:

Popular Posts

Followers

My Travel Map

تأخير الصلاة