site meter

search

Google

result

Showing posts with label زنجبار. Show all posts
Showing posts with label زنجبار. Show all posts

Thursday, April 8, 2010

جمعية الإستقامة العمانية وإنجازانها

زاهر بن حارث المحروقي
كاتب عماني

” 1 ”

إن التاريخ الذي يربط السلطنة بشرق إفريقيا تجاوز الحدود الجغرافية ليصل إلى الحدود الثقافية والاجتماعية والسياسية مما كان له أكبر الأثر في توطيد تلك العلاقات ، وها هو التاريخ يتجدد ويعود إلى سابق عهده بعد أن خطت العلاقات الثقافية والدينية خطوات جيدة بعيدا عن السياسة ، تمثلت في إنشاء جمعية خيرية بإسم الاستقامة الإسلامية التنزانية وهي فرع من نشاط أكبر يتفرع من جمعية الاستقامة الخيرية الإسلامية العالمية الذي جاء تأسيسها عام 1995 م ، وقد حافظت الجمعية منذ إنشائها على صفتها كمنظمة إسلامية عالمية خيرية لا تنتمي لجهة ولا تتلون بلون إلاَّ لون الإسلام والعمل الخيري المنـزه، كما حافظت على رسالتها القاصدة إلى تقديم الخير بلا منٍ ولا أذى ودعوة الناس بالتي هي أحسن، وابتعدت في نهجها عن كل ما يفرق ويجلب الاختلاف والتنافربين المسلمين ، لذا التف حولها خيار الناس وفضلاؤهم مما جعلها تحقق نجاحاً كبيراً على أرض الواقع وتصل المسلمين في كثير من الدول المحتاجة خاصة تنـزانيا – كينيا – أوغندا – بوروندي – رواندا – كونجو – مالي – وغانا

وتتلخص أهداف الجمعية في نشر الوعي الصحيح للدين الإسلامي في كل مكان والدعوة إلى الله عن طريق تبصير المسلمين بأمور دينهم والتعاون مع باقي الهيئات الإسلامية للأخذ بيد المحتاجين والمعوزين وتقديم الخدمات الاجتماعية الخيرية ومساعدة الفقراء والمحتاجين والأيتام من خلال إقامة المشاريع الخيرية التي يعود ريعها لمساعدة الفقراء والمحتاجين ولكفالة الأيتام وطلاب العلم وكفالة تدريب المحتاجين للعمل من أبناء الفقراء والأيتام وغيرها من الخدمات التي تقدمها مثل فتح مدارس لتعليم القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية نحوا وصرفا ( قراءة وكتابة ) لغير الناطقين بها وبناء وترميم المساجد وما يرافق كل ذلك .

عاني الجمعية من قلة مصادر الدخل باعتبارها جمعية خيرية ، والعمانيون بصفة عامة لا يهتمون بهذا الجانب كثيرا ، لذا فإن الجمعية تعتمعد في مصادر دخلها على أهل البر والخير وطالبي مرضاة الله سبحانه وتعالى وعلى الزكاة و الصدقات والإعانات الحكومية

” 2 ”

رغم الظروف المالية الصعبة التي تمر بها الجمعية إلا أنها حققت الكثير من الإنجازات بفضل جهد وعمل متواصل من قبل إناس مخلصين ، فجاءت النتيجة خيرا وبركة إذ أن أعمال الجمعية تميزت بكفاءة عالية وتجاوب سريع مع متطلبات الواقع، مما كان له آثار حميدة في متابعة أحوال المسلمين في كل مكان من قبل أعضاء هذه الجمعية بالزيارات الدورية للوقوف على أحوالهم وتلمس مواطن حاجاتهم والاطمئنان على حسن سير العمل في الفروع الخارجية للجمعية في كل مكان

ويشهد كل من زار المناطق التي تعمل فيها الجمعية بأنها بالفعل أحيت الإسلام والعروبة في تلك البقاع من الموات حيث أخبرني سعادة الشيخ علي بن ناصر المحروقي الذي قام بجولة في الشرق الأفريقي أن جمعية الإستقامة قامت بدور أساسي للحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للناس هناك وللعمانيين المقيمين هناك خاصة الجيل الجديد الذين فقدوا آباءهم وانقطعت بهم السبل عن الوطن الأم ، لأن الجمعية وجهت كل اهتمامها لإعداد وتأهيل الطلبة المسلمين بالعلم النافع، فقامت بحثهم وتشجيعهم على حفظ كتاب الله تعالى وكرمت حفظة القرآن منهم في احتفالات كثيرة، وهيئت لهم السبل لمواصلة دراستهم في المراحل المتقدمة، وتم إرشادهم إلى خير الدنيا والآخرة وبذلك تستقيم حياتهم ويصبحوا من دعاة الخير وحماة لهذا الدين ، هذا إضافة إلى إحياء اللغة العربية بين المواطنين وأبناء الجاليات العربية المقيمة هناك

وقد نفذت الجمعية بعض المشاريع الخيرية في عدد من الدول التي تم ذكرها آنفا من تبرعات المحسنين، وهذه المشاريع تعتبر صدقة جارية لكل من ساهم بماله من أجل إقامتها

ويعتبرمعهد الاستقامة بزنجبار أهم إنجازات جمعية الاستقامة وهو يتكون في الوقت الحاضر من14 فصلا دراسيا للمرحلتين الابتدائية والثانوية ، وأما في قسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية فيدرس الطلاب عددا من المناهج من أهمها اللغة العربية بفروعها من نحو وصرف وأدب وبلاغة والعلوم الإسلامية مثل التفسير والحديث والعقيدة و السيرة والفقه وفروعه

حيث تستمر الدراسة لمدة 4 سنوات يتخرج الطالب بعدها حاصلا على شهادة الثانوية العامة في الدراسات الإسلامية حيث يحصل الأوائل على فرصة تكملة الدراسة الجامعية سواء في سلطنة عمان أو الدول العربية والأجنبية الأخرى، إضافة إلى المدرسة النظامية التي يلتحق فيها الطلاب منذ الصف الأول الابتدائي حيث يدرسون إلى جانب المقررات الإسلامية واللغة العربية و اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والجغرافيا والتربية الوطنية وغيرها من المواد المقررة من الوزارة ، ويضم المعهد مكتبة شاملة للكثير من الكتب والمراجع التي يحتاجها طلاب المعهد لاسيما عند إجراء الدراسات والبحوث المتخصصة

وحتى يمكن تنشئة الطلاب على حب العلم وسهولة الوصول إلى المكتبة فقد أنشأ المعهد سكنا داخليا سواء للطلبة القادمين من خارج زنجبار أو من داخل زنجبار ، كما يضم المعهد مسجدا لأداء الصلوات وتعليم الطلبة الصغار كيفية أداء الصلوات وإمامة المصلين ، ورسالة المعهد تقوم على النهوض بمستوى التعليم الديني والدنيوي وذلك عن طريق تخريج كوادر مؤهلة ومدربة تتمتع بالكفاءة والوعي الديني ، مع غرس العقيدة الصحيحة لدى الخرجين والقدرة على تحمل المشاق ، وتزويد المجتمع الإفريقي بالدعاة المخلصين في دينهم ودنياهم

لقد قام معهد الاستقامة للدراسات الإسلامية بزنجبار بحمل هذه الرسالة العظيمة شأنه شأن بقية المؤسسات التعليمية، وقد سعت إدارة المعهد والهيئة الأكاديمية بتسخير كل طاقاتهم للرقي بهذا المعهد آخذين على عاتقهم تخريج نخبة من الطلبة المتعلمين المؤهلين تأهيلاً جيداً للدعوة وتدريس الناس أمور دينهم وهدايتهم إلى طريق الله القويم، ويعتبر هذا المعهد الرافد الأساسي لتخريج حملة العلوم الشرعية والعلوم الأخرى في زنجبار وله دور مشكور في أوساط الناس عامة وفي أوساط الجالية العمانية خاصة ، إلا أن المعهد يعاني من نقص حاد في المعلمين يستدعي سرعة المبادرة إلى إيجادهم حتى تستمر مسيرة التعليم في المعهد دون تأثر من حيث جودة التعليم والمخرجات

” 3 ”

نظرا للظروف المعيشية الصعبة والقاسية التي يواجهها المسلمون في هذه الدول انعكس ذلك كليا على عدم إمكانية تعليم أولادهم في ظل هذه الظروف الصعبة، مما أدى إلى بقاء أعداد كبيرة تحت براثن الفقر والجهل، وإن من يرى حال هؤلاء البائسين فلا شك أن قلبه ليقطر دما ومهجته تذوب أسىً وإن الحزن ليخيم على جنبات النفوس لما رآه وفد الجمعية في زياراتهم المتكررة لتلك الحال البائسة التي يعيشها المسلمون في تلك البلاد ، فالفقر قد ضرب أطنابه والحرمان قد عم الصغير والكبير والجهل لم يترك أحدا إلا افترسه إلا قليلا ممن رحم ربي ، وهذا أعطى فرصة للبعثات التنصيرية التي تسمى بالتبشيرية بأن يسعوا إلى القضاء على الهوية الإسلامية بكل ما أوتوا من دعم كبير لإخراج المسلمين من دينهم مستغلين فقرهم وجهلهم وحاجتهم ، يغرونهم بالقليل من المال أو الطعام وذلك دأبهم منذ قرون طويلة وهدفهم الأساسي القضاء على الإسلام وقوته السياسية والمعنوية التي هي الطاقة المحركة للعالم الإسلامي، وذلك عن طريق استغلال فقر الناس وجهلهم ومرضهم ليثبتوا وجودهم في بلاد المسلمين ، لأن المسلمين غائبون عن الساحة

ففي إفريقيا بالذات استغلوا المرضى فأنشئوا المستشفيات، واستغلوا جهل الناس وحاجتهم إلى التعليم فبنوا المدارس بكثرة ، واستغلوا فقر الناس فبنوا جمعيات الإحسان وكذلك مؤسسات الأيتام لأبناء الفقراء متذرعين بشعارات إنسانية ولكن أهدافهم غير ذلك، استغل المبشرون هذه الفرص وسعوا إلى تنصير أبناء المسلمين ، استغلوا كل شيء ومشوا وراء كل فكرة واتبعوا كل طريق مؤدي إلى التنصير ، بنوا مكتبات يبيعون فيها كتب رخيصة جداً لغرض استجلاب عقول الناس، وأسسوا عددا من الصحف اليومية والأسبوعية لنشر أفكارهم بين العقول المختلفة، وأسسوا الجمعيات الشبابية مثل جمعية الشباب المسيحية وجمعية الشابات المسيحيات وأسسوا لها فروعا في كل أنحاء العالم الإسلامي، وأعضاء هذه الجمعيات من جميع الأديان والمذاهب، واستغلوا الأندية العامة وأسسوا جمعيات لإصلاح الأحداث، كلها لأجل القضاء على الإسلام ، والمسلمون في سبات عميق لا يلقون بالا لهذه المخططات الخبيثة

يقول الشيخ زاهر العلوي وهو أحد مؤسسي الجمعية وأحد الناشطين في مجال العمل الخيري والدعوي – يقول وكله حسرة – إننا أبلغنا الكثير من المسلمين من ذوي القدرة المالية عن المخططات التنصيرية هذه وطالبناهم بمساعدة الجمعية في بناء المدارس والمساجد والمستشفيات وتوفير مبالغ لأجل الاستثمار ولكن وللأسف فإن القليل جداً من استجاب لنداء الجمعية، بينما أعداء الإسلام يتعاونون في توفير المال اللازم للتبشير حتى أصبحت ميزانياتهم لا تعد ولا تحصى

” 4 ”

ماذا لو كانت هذه الجمعية غير عمانية ؟ ماذا لو أنها كانت سعودية أو كويتية أو إيرانية أو غيرها ؟

على المستوى العام نخسر الآن تاريخنا هناك وكل شيء يتعرض للطمس والإمحاء وعلى المستوى الديني والثقافي هناك جهود جبارة بذلت من قبل أناس أخلصوا أنفسهم لله ولرفع دينه وأعطوا كل شيء من غير مقابل ولكن هل تستطيع الجهود أن تمشي دون دعم ؟ وإلى متى يمكن أن تستمر تلك الجهود والناس قد فقدوا الغيرة على دينهم ووطنهم وتاريخهم ؟!

إن في جمعية الاستقامة الإسلامية العالمية أناسا ينطبق عليهم قول ( أمة في رجل ) ، وإنما هم يحتاجون فقط إلى الدعم والمساندة ، والمثير في هذا الأمر أنه يوجد من بيننا من ينتقد دائما الآخرين في وقت نفضّل فيه النوم والالتحاف بالبطانيات وينتقد ما تقدمه السعودية والسعوديون من مساعدات للعالم الإسلامي بحجة أنهم ينشرون الوهابية ، وينتقد الآخرون إيران وما تقدمه من مساعدات للعالم بحجة أنها تريد أن تنشر المذهب الشيعي ، وفي حقيقة الأمر فإن المرء ليناله الإعجاب مما فعلته السعودية والسعوديون في خدمة الإسلام ، فإضافة إلى بناء المساجد والمدارس في العالم فإن السعودية طبعت ترجمات للقرآن الكريم بلغات الأرض كلها وطبعت كتب التفاسير والأحاديث النبوية والأدعية كذلك وهي الكتب المنتشرة في العالم أجمع ، والمصاحف التي تطبع في السعودية توزع مجانا للعالم كله ، فهل لنا بعد ذلك أن نلومهم في وقت تقاعسنا فيه ؟!

منشورر في مجلة الفلق الإلكترونية على الوصلة

Saturday, February 6, 2010

بداية الصحافة العمانية

زاهر بن حارث المحروقي
كاتب عماني

1

يقول الشاعر محمد الحارثي في مقال كتبه عن تاريخ الصحافة العمانية إننا بحق نجحفُ الصحافة العُمانية إذا قلنا إنها تأسست عام 1970 مع ظهور صحيفة الوطن لكن ميلاد الصحافة العمانية تم قبل ذلك التاريخ بـ 61 عاماً، ليس في عُمان التي كانت تمر آنذاك بظروف لا تسمح بإصدار صحيفة بل صدرت فيما سماها محمد الحارثي “السلطنة التوأم” أي زنجبار
 
لقد كان عام 1911 عام الميلاد الحقيقي للصحافة العمانية بصدور جريدة النجاح في زنجبار والتي رأس تحريرها الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني الذي كان يكتب افتتاحياتها مركزا على الوحدة الوطنية وعلى نبذ الفرقة ، وقد صدرت تلك الجريدة في عهد السلطان الشاب السيد علي بن حمود صاحب النزعات الوطنية والذي كان يقف بالمرصاد ضد الإستعمار البريطاني حتى وقت إزاحته من الحكم وهو السلطان الذي عمل على تعريب كل شيء

وإضافة إلى صحيفة النجاح فهناك صحيفة الفلق التي تأسست عام 1920 والتي تناوب على رئاسة تحريرها نخبة من الكتاب العمانيين ربما كان الأبرز فيهم الشيخ هاشل بن راشد المسكري الذي كان – إضافة على أنه رجل فكر وسياسة – كان كريما مع كل العمانيين الذين ذهبوا إلى زنجبار طلبا للرزق حيث ذكر لي والدي رحمه الله ، أكثر من مرة أن الشيخ هاشل المسكري استقبله في أول وصوله إلى زنجبار وأكرمه وبما أن أبي كان فقيرا لا يملك شيئا فقد أهدى الشيخ هاشل قلما وقال له لا أملك شيئا أعطيكه إلا هذا القلم عسى أن يفيدك فيما تكتبه في جريدة الفلق التي كانت صلة وصل بين العمانيين في عُمان وزنجبار وهي التي اهتمت بقضايا الوطن الأم عمان رغم بعد المسافة ، وقد بقي أبي إلى آخر حياته يحمل ذكرى طيبة عن الشيخ هاشل المسكري رحمهما الله وكان دائما يصفه بأنه رجل ( مُهَنجَم ) والتي فهمت أنها تعني رجل شجاع وجسور ومقدام
 
لقد كانت أعداد كثيرة من الصحف العمانية في زنجبار ترسل إلى عمان عن طريق الكثير من الإشتراكات كما أشار إلى ذلك أحمد اللمكي أحد رؤساء تحرير الفلق المتأخرين في لقاء مع الزميل الإعلامي إبراهيم اليحمدي نشر في ملحق أشرعة بجريدة الوطن يوم الثلاثاء 15/12/2009

ويشير الشاعر محمد الحارثي إلى إن السفن الزنجبارية حملت أعداد تلك الصحف إلى داخلية عمان، وكانت تصل إلى المشتركين فيها على ظهور الجمال التي تحملها من ميناء صور الى سائر المناطق العمانية، كما تواصل بها المسير الى بومبي في الهند التي كانت حاضرة وواحة ثقافية وتجارية لكثير من أبناء الخليج ، كما أنها كانت تصل إلى بعض الأقطار العربية وعواصم كاسطنبول وباريس وتتابَعُ من قبل الساسة والمهتمين وهو دليل على نجاحها
 
” 2 ”
 
إضافة إلى النجاح والفلق فقد كانت هناك صحف عمانية أخرى لاقت أيضا نجاحا منقطع النظير من أهمها جريدة الإصلاح صدرت 1923 والنهضة 1949 والمرشد 1945 والأمّة 1958 ، وقد كان الاهتمام بأحوال عُمان التي انقسمت إلى إمامة وسلطنة واضحا بل ورئيسيا في تلك الصحافة ، من ذلك مثلا أن جريدة النهضة التي أسسها السيد سيف بن حمود بن فيصل آل سعيد عام 1949 نشرت خبراً عن ناظر شؤون الداخلية في مسقط الذي أصدر قراراً بمنع العُمانيين المقيمين في زنجبار من دخول وطنهم الأم وطالبت الصحيفة بمحاكمة ذلك الناظر ولذا أمر السيد سعيد بن تيمور سلطان عمان آنذاك بإلغاء قرار ناظر داخليّته المجحف والمظلم
 
كما أن الشيخ هاشل بن راشد المسكري يكتب في جريدة الفلق عدد 29/7/1939 مقالا عن وحدة عمان يقول فيه ( إننا نستعطف عظمة السلطان سعيد لجمع شمل الأمة العمانية ، فوجود حاكم ديني في داخل القطر ضروري لكف الفتن الداخلية ولإقامة الأحكام الشرعية بين القبائل )
 
يقول أحمد اللمكي إنه في اليوبيل الفضي لجريدة الفلق صدرت الجريدة ب80 صحفة ، وكانت مطبعتها لا تحتمل ذلك القدر وتم الاتفاق مع جريدة ( زنزبار فويس ) على المساعدة في طبع بعض الصفحات كنوع من التعاون ، وكانت الفلق تصدر 600 نسخة ثم أصبحت تصدر 2600 نسخة مع نهاية عام 1953 وقبل الظهر تكون كل النسخ قد نفدت لدرجة أن بعض عمال المطبعة كانوا يخفون نسخا ويبيعونها لحسابهم الخاص .!
 
” 3 ”

لقد تبنت الصحافة العمانية المهاجرة قضايا هامة تخص العمانيين ومنها المحافظة على الهوية العمانية المهددة وذلك بوجود قوى الإستعمار الإنجليزي خاصة بعد أن عمل الإنجليز على إزاحة السلطان علي بن حمود لتوجهاته العروبية والإسلامية وهو الذي أسس المدارس النظامية وكانت المناهج في عهده عربية خالصة ، ونجد مثلا الشيخ هاشل المسكري ينتقد في جريدة الفلق عدد 26/2/1938 موقف الحكومة نقدا لاذعا إذ يقارن بين موقفها في تهميش اللغة العربية وموقف الحكومات الأخرى كالإيطالية والبريطانية في وضع اللغة العربية في برامجها الإذاعية لاستقطاب قلوب من ينطقون بهذه اللغة

ويرصد د. محسن الكندي في كتابه عن الصحافة العمانية المهاجرة وشخصياتها مقالا آخر جريئا نشر في جريدة الفلق عدد 11/7/1956 للكاتب سالم بن حميد الرحبي الذي كتب يقول ( …. فإني أناديكم بملء فمي – يا بني العروبة – أن تعلموا أبناءكم لغة آبائهم ، لغة دينهم ورسولهم ، لغة قومهم ، وأن لا تجعلوا أبناءكم في زوايا الغفلة والإهمال ، لا يعرفون القبيل من الدبير ولا الظاهر من الضمير فأنقذوهم من مخالب الجهل وخذوا بأيديهم من الحضيض الأدنى إلى الذروة العليا ، إلى العلم والعمل والسعي إلى ما يتطلبه منهم الواجب الإسلامي نحو الاهتمام بلغتهم العربية ….)
 
إن من يقرأ النموذجين السابقين يدرك تماما أهمية ذلك الكلام الذي قيل في تلك الأعوام فها هم العمانيون الآن يعانون ويدفعون ثمن الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه إذ أنك قد تجد من هو عربي ومن بيت أصل لكنه لا يتكلم اللغة العربية وإن تكلمها فإنها مكسرة ، هذا في وقت نجد فيه أن زنجبار كانت منارة للعلم والثقافة والحضارة وكانت السلطنة العربية هناك أول من أسس مطبعة عام 1879 سميت بالمطبعة السلطانية والتي أنشأها السلطان برغش بن سعيد بن سلطان بمساهمة من التجار العمانيين والأعيان في زنجبار ، وقد طبعت المطبعة السلطانية قدرا كبيرا من المؤلفات العمانية منها هيمان الزاد وقاموس الشريعة وإزالة الاعتراض وحاشية الترتيب ومختصر الخصال وجامع البسيوي ومنظومة مدارج الكمال وديوان أبي مسلم البهلاني وغيرها من الكتب والمخطوطات
 
هذا وبجانب طباعة المخطوطات فقد اضطلعت المطبعة السلطانية كما يقول ناصر الريامي في كتابه ( زنجبار – شخصيات وأحداث ) اضطلعت بنشر الثقافة العربية والقيام بالدور التنويري الذي كان المجتمع العماني العربي في أمس الحاجة إليهما على أرض تلك السلطنة
 
” 4 ”
 
إن الوجود العماني في الشرق الأفريقي يكتنفه الغموض لدى الكثيرين وقد آن الأوان أن يبدأ العمانيون أنفسهم في إخراج ذلك إلى النور فهناك من يستعد لسرقة ذلك التاريخ ، لأن هناك من يتعامل مع ذلك التاريخ كأنه عار أو سبة في الجبين بينما هو قبس منير من قبسات التاريخ العماني وقبس منير لشخصيات إنسانية فريدة في المجتمع الإنساني ، ولعل هذا من المهام التي يجب أن تضطلع بها جريدة الفلق الألكترونية

منشور بتاريخ 29 يناير 2010 في مجلة الفلق الإلكترونية قسم العدد الأول, سياسة, مقالات مختارة على الوصلة

Thursday, June 11, 2009

الجمعية العمانية للكتاب والأدباء والنادي الثقافي يحتفلان بتدشين كتابين تاريخيين

زاهر بن حارث المحروقي

كاتب عماني

1

احتفت الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء الأسبوع الماضي بالتعاون مع النادي الثقافي بتدشين كتابين تاريخيين الأول هو كتاب ( زنجبار شخصيات وأحداث ) للباحث ناصر بن عبدالله الريامي ، والثاني هو كتاب ( تاريخ عمان السياسي ) تأليف الأديب والمؤرخ الراحل عبدالله بن محمد الطائي حيث شهدت الأمسيتان حضورا جماهيريا مميزا وهو مؤشر يدل على أن الناس ترغب في الشيء الجيد وأن اختيار الموضوع دائما هو الأساس لأي نجاح .


وقد استضافت أمسية تدشين كتاب تاريخ عمان السياسي المهندس مازن بن عبدالله الطائي نجل الأديب الراحل الذي قدم ورقة عن ظروف نشر الكتاب كما قدم الأديب المكرم أحمد بن عبدالله الفلاحي ورقة أخرى بعنوان مع عبدالله الطائي فيما قدم الشاعر سماء عيسى ورقة بعنوان " الثقافة التاريخية عند الشاعر العماني .. عبدالله الطائي نموذجا " ، وقدم صلاح الحجري ورقة رابعة بعنوان أعمال الطائي والنشر الرقمي .


لقد ضم كتاب تاريخ عمان السياسي فصولاً مهمة عن تاريخ عُمان وقضاياه جمعها أبناؤه من مكتبته الخاصة وتم إعدادها للنشر في كتاب ضم "350" صفحة ، ويستعرض الكتاب التاريخ السياسي لعُمان منذ مهاده الأولى وعلاقة عُمان بدول الجوار ومهادنتها ومسايرتها للأطماع والتدخلات الخارجية بدءاً من الفرس وانتهاء بالاستعمار الاوروبي الحديث ومقاومة العمانيين لهذا التدخل والنزعة العمانية للاستقلال وحكم أنفسهم وفق إرادة وطنية عربية إسلامية ، ويُبرز الكتاب الدور العماني في التاريخ الاسلامي كما يتناول آثار التوسع العماني في شرق افريقيا ومنطقة المحيط الهندي والتوسع الحضاري للعمانيين في المناطق التي بسطوا عليها نفوذهم .


وقد أوضح المهندس مازن بن عبدالله الطائي في ورقته ظروف نشر هذا الكتاب الذي وضعه مؤلفه في فترات مختلفة ولم يكتبه دفعة واحدة وتناول كيفية حفظ مخطوطات و تراث الأديب الراحل كما تحدث عن إصدار الكتاب وإعداده و المعوقات التي صاحبت ذلك بدءا من تجميع المادة و المراجعة ومرورا بعملية التوثيق و المراجعة.

2

وعودة إلى الأمسية الأولى مع ناصر بن عبدالله الريامي وكتابه زنجبار شخصيات وأحداث هناك بعض الوقفات تحتاج إلى تأمل لأن ما طرح فيها من أسئلة حول الوجود العماني في الشرق الأفريقي وردود الريامي عليها يحتاج إلى مقالات مطولة وليس إلى مقال واحد وهذا يعني أن المقالات كلها يمكن أن تكوّن كتابا مستقلا ، وحسب علمي فإن الجلسة لم تكن مسجلة مما يعني أن كل ما قيل فيها قد ذهب سدى ، فقد رد ناصر الريامي على أسئلة الحضور وأقل ما يقال عنها أنها مهمة وكان حاضر الذهن سريع البديهة إذ أنه قدّم شروحا وافية لكثير من النقاط التي أشكلت على القراء خاصة أن موضوع التاريخ العماني في الشرق الأفريقي يكتنفه الكثير من الغموض والضبابية لدى الكثيرين وأن اعتمادنا كله كان على ما كتبه المستعمرون الإنجليز أو الغربيون بصفة عامة ، ويجب على الجمعية العمانية للكتاب والأدباء والنادي الثقافي أن ينتبها لأهمية توثيق كل الفعاليات مستقبلا لأننا فعلا نعاني من مشكلة التوثيق .


ومن هنا فإنني أضم صوتي إلى صوت المؤلف ناصر الريامي حول أهمية توثيق التاريخ العماني في الشرق الأفريقي حيث يقول إنه بعد زيارته لأرشيف زنجبار الوطني اكتشف أن كما كبيرا من المخطوطات العمانية والوثائق المهمة والصور العمانية النادرة التي تخص الأسرة الحاكمة موجودة هناك وهي معرضة للضياع ، وهو ما أكده لي الزميل محمد بن علي البلوشي بعد زيارته لزنجبار وزار هذا الأرشيف حيث وجد أن الحشرات والديدان ( الرّمة ) بدأت تأكل المخطوطات العمانية وأن العلب الفارغة تملأ المقبرة السلطانية هناك ، أليس من الأولى أن يتم إبلاغ حكومة زنجبار بأن المساعدات التي تحصلها يجب أن يذهب بعضها لصيانة وحفظ التاريخ العماني هناك ومن ضمن ذلك المباني والأرشيف والمقبرة ؟


ثم هناك نقطة أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار فهناك بعض المخطوطات المهمة التي تم إحضارها من زنجباروهي موجودة في وزارة التراث والثقافة منذ ثماني سنوات أو أكثر ولكن لا يمكن أن يستفيد منها أحد من الباحثين لأنها مهملة وموضوعة داخل الصناديق ولم يستفد منها ناصر الريامي عند تأليفه لكتابه المهم ذلك ، وعلى جهات الاختصاص أن تعمل على وجود آلية واضحة في أرشفة هذه الوثائق والمحفوظات الوطنية مما يسهل على الباحث سهولة الاستفادة منها يقول ناصر الريامي كلمات هي فعلا تحتاج إلى تأمّل فهو يقترح أن تتبنى الجهات الرسمية تاريخ عمان حيث عليها أن تفرغ عددا من الباحثين لجمع ما يتعلق بالتاريخ العماني إذ أشار إلى أنه في رحلته إلى بريطانيا وجد شخصين مفرغين من دولة مجاورة يجلسان هناك بالأشهر ويداومان بشكل يومي في الأرشيف الوطني البريطاني للبحث في الوثائق ، وبعد سنتين زار الأرشيف البريطاني مرة أخرى فوجد الشخصين ما زالا هناك فيما كان هو يحسب الأيام والساعات التي يقضيها هناك وكأنه عداد يركض بسرعة ، والآن يفكر ناصر بترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية فهل سيجد من يأخذ بيده ويساعده ؟ والكتاب يحتاج أيضا أن يترجم إلى اللغة السواحلية لأنه يخاطب جمهورا كبيرا يتكلم اللغة السواحلية في أكثر من دولة في شرق أفريقيا لأنه يصحح كثيرا من الأخطاء التي ألصقت بالعمانيين وبالتاريخ العماني في زنجبار .

3

في تقرير كتبه الشيخ محمد بن سعيد المحروقي بعد زيارتين لزنجبار تناول الوضع في الجزيرة من كافة الجوانب ركز فيه على أهمية المحافظة على التاريخ العماني في الشرق الأفريقي حيث يقول في تقريره الذي رفعه للمسؤولين إن أفضل السبل التكتيكية لإذابة جبال الجليد هو وضع خطة عمل متزامن مشترك للحفاظ على التراث العماني في زنجبار والعمل عن طريق البحث العلمي الجاد على تصحيح صور التزييف التي أسهمت في تدهور الحال ، وجوهر هذا المدخل هو مبدأ المصلحة المشتركة لعمان وزنجبار في الحفاظ على الثقافة والتاريخ المشتركين وذلك عبر تأسيس هيئة ثقافية عربية أفريقية غير حكومية يتم تمويلها مبدئيا من قبل السلطنة ودول الخليج الأخرى (حسب العلم حاكم الشارقة مهتم بهذا الموضوع ) مع الاحتفاظ بمسافة سياسية من الحكومات العربية والأفريقية .


وعلى ذلك فإنه من الحكمة أن تتبنى الحكومة العمانية مدخلاً جديداً في توقيت ملائم لاستمالة قلوب وعقول مواطني شرق أفريقيا وزيادة النفوذ العماني في تلك المنطقة عن طريق الجهد المستنير والعزيمة .


إنه من الثابت أن دور عمان في شرق أفريقيا يحتاج إلى إعادة تقييم وإن إسهاماتها في كل مناحي الحياة هناك تحتاج إلى المزيد من إلقاء الضوء عليها فالجهد العماني يحتل موقع القلب في كافة النجاحات التي حققتها زنجباروذلك تاريخ لا ينبغي أن نطوي صفحاته فلا بد من الاعتراف أن ذلك كان عصراً زاهراً لا يجوز نسيانه أو تركه ليذبل ويموت والضرورة تقتضى ألاّ نسمح بطمس معالم هذا التاريخ فهو تاريخ زاهر لابد من الاعتراف بدور عمان الذي تستحقه ، والأهم من كل ذلك هو إنه تاريخ سيبقى في انتظار قيادة ملهمة تتولى دعم وتقوية جسور العلاقات بين عمان و تنزانيا إلى ملتقى أفريقي عربي غير حكومي جديد .


لقد ظل شرق أفريقيا تاريخيا يمثل الفناء الخلفي لعمان وظل عمقها الإستراتيجي وسلة الغذاء الإستراتيجية في أوقات الأزمات كما ظلت الملاذ الآمن في أزمنة الحروب وشح الطعام وبذلك وبما لدينا من مخزون محدود وناضب من النفط فإن من الإستراتيجيات الصائبة بناء قاعدة إقتصادية في شرق أفريقيا لما يتمتع به من موارد هائلة .


ويرى كاتب التقريرأن شرق ووسط أفريقيا من المناطق الغنية بمواردهما الطبيعية والمعدنية وقاعدتها السكانية العريضة ، ربما تبدو المنطقة غير جذابة للبسطاء والسذج إلا أن العنصر الحاسم هو إن المكونات المفتاحية موجودة هناك ، وما تفتقده هذه المنطقة حاليا هو اللاعب الأساسي الملائم الذي يمتلك رؤية مستقبلية ثاقبة في أفريقيا مع دعم سياسي .


ويكفي أن ندرك إن جمهورية الكنغو الديمقراطية وحدها تحتل مساحة تعادل مساحة أوروبا الغربية كلها وهي غنية بالموارد الطبيعية وبها جالية عمانية صغيرة و ثرية .


ويوصي كاتب التقرير باختيار فريق عمل يتكون من أفراد يتمتعون بضمير حي وتفان في العمل ونزاهة ملتزمين بالمصالح الوطنية العمانية للقيام بوضع توصيات تتعلق بالسياسات التي ينبغي إتباعها لتأسيس سبل التقارب مع شرق أفريقيا على أن يتولى الفريق أيضاً التعرف على مجالات وأشكال الدعم لزنجبار والمناطق الأخرى ذات النفوذ العماني مثل بنجاني و تبورا و ممباسا و لامو وذلك لرعاية شؤون التراث وفق أولويات محددة .


وأوصى التقرير بالمبادرة بإنشاء برنامج عالمي مشترك للبحث العلمي لمراجعة التاريخ والفصل ما بين الحقائق ونسج الخيال ويمكن النظر في إمكانية اشتراك جامعات شرق أفريقيا ودول الخليج العربي على أن يتم نشر الأبحاث المكتملة على أوسع نطاق مع إمكانية الاستعانة بخدمات الأكاديميين المتميزين من أمثال البروفيسور علي المزروعي للإشراف على البرنامج البحثي وتقديم الإستشارة لفريق العمل المختار حول الإستراتيجيات والمهام التي يجب الإضطلاع بها في هذا الإطار ، وبعد تكوين هذه النواة من العمانيين الملتزمين اقترح كاتب التقرير تقديم الدعوة للبروفيسورعلي المزروعي ومجموعة مؤسسي أفرابيا (العلاقات الأفريقية العربية) لمناقشة تحويل مشروع أفرابيا إلى هيئة غير حكومية على أن يتم تمويلها من قبل مؤسسة ثقافية عمانية/عربية بموازنة مستقلة .

4

إنها اقتراحات وكلمات تحتاج إلى تأمّل ثم بحاجة إلى تحويلها إلى واقع حي .

Wednesday, May 20, 2009

إدعاء أقصر حرب في التاريخ

زاهر بن حارث المحروقي

كاتب عماني

1

هناك العديد من النقاط بحاجة إلى بحث ودراسة في التاريخ العماني في شرق أفريقيا لأن من كتب ذلك التاريخ هم المستعمرون الإنجليز وبالتأكيد فإن كتاباتهم تكون دائما من المنظور الاستعماري فقط ولا يمكن أن يقدموا إلا ما يرونه ناصعا لتاريخهم وغالبا لن يعكس الحقيقة ولن يكون حقا من هذه النقاط التي تحتاج إلى بحث كما سألني أحد الإخوة المثقفين ما الفرق بين فتوحات العمانيين في شرق أفريقيا وغزو البرتغاليين لعمان وهو موضوع تولى المستعمرون الإنجليز طرحه كثيرا ، ثم هل كان الوجود العماني هناك استعمارا أو احتلالا؟ وهل ما حدث عام 1964 كان استقلالا ؟، ثم لماذا كانت المذبحة بذلك العنف ولماذا لم يتدخل الرئيس جمال عبد الناصر لإيقافها ؟بل لماذا سارعت مصر إلى الاعتراف بالانقلابيين فورا رغم أن مصر كانت قد ارتبطت بعلاقات جيدة مع حكومة زنجبار المنتخبة ، وما دور العمانيين في تجارة الرقيق ؟ وغير ذلك الكثير من الأسئلة التي تبحث عن إجابات صحيحة لا عن الإجابات التي تولى نشرها الإنجليز، وفي حقيقة الأمر فإن ناصر بن عبد الله الريامي قد تولى أمر التصدي لمثل هذه الأسئلة التي وصلت إلى حد الافتراء على الوجود العماني في الشرق الأفريقي في كتابه الذي أشرت إليه الأسبوع الماضي وهو ( زنجبار – شخصيات وأحداث ) والكتاب محاولة جادة وجيدة للبحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها .


على أنه واجب علي أن أشيرإلى أن أحد أحفاد الشيخ علي بن سعيد المغيري مؤلف كتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار اتصل بي بعد مقال الأسبوع الماضي موضحا أنني ذكرت أن ناصر هو أول من وثّق للوجود العماني في شرق أفريقيا ولكن الواقع يقول إن الشيخ المغيري سبق ذلك بكتابه جهينة الأخبار ، ولتوضيح ذلك أشير إلى أن هناك كتبا كثيرة صدرت حول الوجود العماني في الشرق الأفريقي منها جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار إلا أني قصدت في مقالي السابق أن ناصرهو أول من وثّق لعملية الانقلاب على الحكم العماني بالتفصيل وهو حدث مهم جدا ويجب أن يتناوله المؤرخون ، فيما كان الشيخ سعيد بن علي المغيري قد انتقل إلى رحمة الله قبل الانقلاب بسنتين.


ومن الأكاذيب الكبرى التي روج لها المستعمر الإنجليزي ما عرف بأقصر حرب في التاريخ حيث أصبحت من المسلّمات خاصة وأنها سجلت في موسوعة جّنيس للأرقام القياسية كأقصر حرب ، وسنويا يتم نشر تلك المعلومة في باب في ( حدث في مثل هذا اليوم ) على أن الحرب واقعة حقيقية ولكن ما هي تفاصيل تلك الواقعة وكيف حدثت ؟

2

بعد وفاة السلطان حمد بن ثويني عام 1896 م بادر السيد خالد بن برغش بن سعيد بن سلطان بدخول بيت الحكم الذي بناه عمه السيد ماجد وجلس على كرسي المملكة ، وقد عاضده في ذلك – كما يقول الشيخ المغيري – زعماء العرب وأعيانها والمسلمون وهي إشارة واضحة لمدى تقبل وتأييد الشعب له كسلطان عليهم ( وكلمة المسلمين هنا تعني الرعية ) كما أن السيد حمد بن ثويني نفسه كان قد أشار إلى السيد خالد أن يأتي إلى بيت الحكم وكان ينوب عنه في حضور حفلات المولد النبوي ، وقد أرسل السيد خالد إلى قناصل الدول يخبرهم بما صار ويعدهم بالمحافظة على الأمن وينذرهم من مغبة التدخل في شؤون زنجبار وأنه سيكون حينها مضطرا لاستعمال القوة بدون أن يتحمل تبعة ما يراق من الدماء ، لكن ذلك لم يرق للإدارة الإنجليزية التي تستعمر زنجبار فأرسل القنصل الإنجليزي للسيد خالد يأمره بإنزال العلم الخفاق على القصر علامة الخضوع للتاج البريطاني وحدد له الساعة الثالثة بالتوقيت العربي أي التاسعة صباحا من يوم 27/8/1896 م إن لم يخرج من القصر ويطيع أوامر الدولة الإنجليزية وإلا فإن البوارج الحربية ستطلق بطاريات مدافعها على القصر ، إلا أن السيد خالد رد بأنه يؤثر الموت على ترك الإنجليز يتدخلون في شؤون السلطنة الداخلية وينصبون سلطانا على هواهم.


وفي صبيحة اليوم المحدد ظهر العلم خفاقا فوق القصر أعلى مما كان سابقا ، وفي الموعد المحدد أطلقت البوارج الإنجليزية نيرانها الحامية ثم نزلت الجيوش الإنجليزية إلى البر واستولت على المدينة بعدما هدمت القصروبيت الساحل الذي بناه السيد سعيد بن سلطان وأصابت بيت العجائب والتهمت النار نصف الجمرك الذي كان قريبا من الجزيرة وقتل في العدوان حوالي 500 شخص ، أما مصير السيد خالد بن برغش فقد نفي خارج وطنه بمساعدة القنصل الألماني ، متنقلا بين دار السلام وسيشل وسانت هيلانة وممباسا حتى وفاته وهو في حال سيئة للغاية ، وتقول المصادر الإنجليزية إن الحرب استمرت 25 دقيقة فقط.


ويقول المؤلف ناصر بن عبد الله الريامي في كتابه المهم ( زنجبار شخصيات وأحداث ) تعليقا على هذه الواقعة إنها اعتداء دولة عظمى بأسلحتها الثقيلة على دولة تراجعت كثيرا عما كانت عليه وبأسلحتها التقليدية المتواضعة ، ولا يمكن بأي حال أن يطلق على الواقعة (حرب )بل إن الأقرب إلى الصحة هو تسمية الحادثة بالعدوان الغاشم أو فرض إرادة بقوة السلاح ولعل ما نتج عنها هو خير برهان على ذلك.


وأنا أتفق تماما مع رأي الأخ ناصر لأن العصر الحديث شهد أكثر من عدوان على هذه الشاكلة ، فإذا كانت تلك هي أقصر حرب في التاريخ وليس عدوانا أو غزوا فماذا يمكن أن نسمي تدمير إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في دقيقتين اثنتين فقط ؟ ثم ألم تدمر القوات الإسرائيلية مقر الرئيس ياسر عرفات في تونس تدميرا كاملا في دقائق ؟ وكذلك فعل الرئيس رونالد ريجان عندما أغار على ليبيا قاصدا الرئيس القذافي ودمر بيته ، ثم ماذا يمكن أن نسمي تدمير الطائرات الأمريكية لمصنع الشفاء للأدوية في السودان في ثوان ؟ وماذا يمكن أن نسمي قصف الطائرات الإسرائيلية لقافلة في السودان مطلع العام الحالي ؟ هل يمكن أن نسمي كل ذلك حربا ؟ إن ذلك عدوان غاشم أقرب إلى بلطجة وهو عدوان من طرف واحد ، والتاريخ لم يختلف أبدا فما فعلته إنجلترا تفعله أمريكا الآن.ولكن يحق لنا أن نسأل ماذا حقق المستعمر الإنجليزي وراء ذلك العدوان الغاشم ؟

3

لقد وقر في عقيدة العرب وأسرتهم الحاكمة بعد تلك الحادثة أن الإنجليز هم الذين يملكون زمام تحديد السلطان وتعيينه وهذا دفع بالسلطان حمود بن محمد بن سعيد بن سلطان ، الذي نصبته انجلترا سلطانا على زنجبار بعد الحادثة مباشرة إلى الإحساس بالدين تجاه الإنجليزوبضرورة رد الجميل لذا كان في حكم المستعد دائما لتقديم الكثير من التنازلات لمصلحة الإدارة الإنجليزية التي استثمرت هذا الوضع وعملت في عهده على اعتماد قدر لا يستهان به من القوانين والأنظمة التي تتفق مع مصالحها الإستعمارية مما كان يعني من ضمن ما يعني إلغاء سلطات السلطان وتقليصها ولكن هذا لم يعجب السلطان علي بن حمود الذي ورث العرش عن أبيه ، فتصدى للوقوف أمام المطامع الإنجليزية واشتهر هذا السلطان الشاب الذي تلقى تعليمه في بريطانيا بوقفاته الشجاعة في مواجهة الإدارة الإنجليزية يحركه في ذلك صالح الأمة فعمل على تأسيس أول مدرسة نظامية للبنين رغم أنف سلطة الاستعمار التي افتتحت مدارس الإرساليات والتنصير في دولة يبلغ عدد مسلميها 95% ، وعمل على تدريس اللغة العربية والدين الإسلامي ، وكان له إنجازات عظيمة منها إنشاء محطة كهرباء وإنشاء سكة حديد زنجبار – بوبوبو .


وأسس مجلسا لمعاونته في الحكم يتكون من 4 أعضاء معينين و4 يتم اختيارهم من العناصر الرئيسية المقيمة في زنجبار من عرب وسواحليين وهنود ولكن ما ضايق الإنجليز أكثر هو نجاح السلطان السيد علي بن حمود في إقامة علاقات قوية مع الكتل الخارجية حيث تجاوب السلطان الشاب مع حركة الجامعة الإسلامية التي أعلنها السلطان عبد الحميد الثاني وهي الحركة التي كان هدفها إيجاد نوع من الوحدة بين مسلمي العالم وذلك لمواجهة أعداء الإسلام ، وقد زاد القلق الإنجليزي تعمقا عندما تحول تأييد السلطان علي بن حمود لفكرة إنشاء الجامعة الإسلامية إلى واقع حي عندما أوفد مبعوثا منه إلى فرنسا لإصدار صحيفة إسلامية للدعاية للفكرة وهي صحيفة (فتح البصائر) التي تحولت فيما بعد إلى صحيفة (مرشد الألباب) التي عمل على رئاسة تحريرها موفد السيد علي بن حمود وهو سالم القمري وهو شاب عربي من جزر القمر كان يتقن العربية والفرنسية ، كما أن رحلات السلطان الخارجية التي زار فيها تركيا والحجاز واستقبل فيها استقبالا كبيرا وأطلقت له المدافع أقلقت الإنجليز وعملوا على إزاحته من الحكم بطريقة مهينة لا تقل عن طريقة السيد خالد بن برغش من قبل .


وخير دليل على تلك الطريقة ما نشره ناصر الريامي من وثائق قام بترجمتها من اللغة الإنجليزية في الأرشيف البريطاني منها وثيقة تدعو السلطان علي بن حمود إلى ضرورة تقديم استقالته مع تعهد الحكومة البريطانية في المقابل بدفع أجر سنوي له مقداره ألفا جنيه استرليني لإعاشته وعائلته شريطة أن يتعهد بعدم عودته إلى زنجبار دونما الحصول على إذن مسبق من حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى ، كما أن ناصر الريامي يترجم وثيقة أخرى حول الإعلان البريطاني عن تنازل السيد علي بن حمود عن السلطة لظروفه الصحية وهو الإعلان الذي لم يصدقه أحد في زنجبار أبدا ولكن يبقى أن القشة التي قصمت ظهر البعير في أمر السيد علي بن حمود هي أنه كان ذا بأس شديد على الإدارة الإنجليزية لاستنكاره لحقيقة خضوع بلاده لسلطة الاستعمار فكان فظا في التعامل ليس مع الموظفين الإنجليز العاديين فحسب وإنما مع القنصل العام البريطاني نفسه حيث أمره مرة في محفل عام أن يجثو أمامه ليربط له خيط حذائه قاصدا إهانته .


وما كان أبدا للإنجليز أن يقبلوا إهانة كهذه فأجبرته انجلترا على التنازل عن العرش معزية السبب إلى الظروف الصحية إلا أن العالمين بشخصية السيد علي بن حمود القوية ومواقفه ضد سلطة الاستعمار فطنوا – كما يقول ناصر الريامي – أن الأمر لا يخرج عن كونه سياسة من سياسات القهر والإجبار وممارسة الإدارة الإنجليزية صلاحياتها في تعيين واستبقاء من يروق لهم لحكم البلاد ، فقررت تنصيب السيد خليفة بن حارب سلطانا على عرش زنجبار.

4

إن ما فعله الإنجليز ضد السيد خالد بن برغش في أكذوبة أقصر حرب في التاريخ وما فعلوه مع السلطان علي بن حمود ليس إلا قطرة من بحر.


وهكذا كانت بريطانيا في تاريخها الإستعماري ، وما من مشكلة في العالم إلا وكانت تقف وراءها قبل أن ترث الولايات المتحدة الأمريكية منها هذا الدور ، وليس أدل على ذلك من الوقوف مع الانقلابيين في زنجبار كما يبدو ذلك جليا في الوثائق العمانية في الخارجية البريطانية.


لقد قيّض الله للعالم المهاتما غاندي الذي نسج بيديه كفن الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس وجاء أخيرا الرئيس جمال عبد الناصر ليدق المسمار الأخير في نعش الإمراطورية البريطانية حتى جاء اليوم الذي رأينا فيه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني مجرد سكرتير أو ناطق رسمي باسم جورج بوش سيد البيت الأبيض في واشنطن !

Wednesday, May 13, 2009

سلطنة عمان وتاريخها في زنجبار

زاهر بن حارث المحروقي

كاتب عماني

1

بعد سنوات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة أي في يناير عام 2014 ستمر الذكرى الخمسون لمأساة العمانيين في زنجبار والتي أنهت الحكم العماني هناك وأدت إلى مذبحة كبيرة راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم بالقوة ، بعد حكم عماني حقق العديد من الإنجازات والتي لا تزال قائمة تشهد على عراقة العمانيين الذين جعلوا من زنجبار منارة لأفريقيا كلها والتي كانت السباقة في كل نهضة وتطور على صعيد البنيان والتطوروالنماء أو على الصعيد السياسي أو الثقافي والنيابي والإعلامي أو التعليمي.


ومما يؤسف له أن تمر السنوات الخمسون هذه بكل برودة شاهدنا خلالها طمس الهوية العمانية هناك في كل شيء من جانب الأفارقة ومن جانب العمانيين أنفسهم الذين بدوا وكأن الموضوع لا يعنيهم من قريب أو بعيد مما أعطى أناسا آخرين ليس لهم علاقة بذلك المكان أو ذلك التاريخ الفرصة في أن يتصدوا لسرقة ذلك الإرث الحضاري ومحاولة نسبه إلى أنفسهم ، كما أن بعض القنوات الفضائية العربية التي اهتمت بذلك التاريخ حاولت من جانبها التقليل من الدور العماني هناك ، وكل ذلك لأن من يفترض أن يهتموا لم يهتموا إضافة إلى نقطة أخرى يتحملها العمانيون الذين عاشوا هناك وعاصروا النهضة العمانية وعاصروا الأحداث المؤسفة ، فهم يتحرجون من ذكرها وتناولها وكأنهم يتخوفون من التشكيك في عمانيتهم أو ظانين أن التحدث عن ذلك من المحرمات ، وهذا بدوره أدى إلى أن ينتقل الكثير ممن عاصروا الأحداث إلى الدار الآخرة وأخذوا معهم التاريخ في صدورهم مما أوجد إشكالا عند الجيل الجديد من أبناء الوطن الذين لا يعرفون شيئا عن تاريخ بلادهم الناصع وتاريخ أسرتهم الحاكمة.


ولكن هناك بعض النقاط المضيئة الآن والتي سبق لي وأن ذكرتها في مقال سابق في جريدة (الشبيبة) بعنوان (زنجبار أرض القرنفل والنار) حيث أشرت إلى أن هناك الآن من الشباب العماني من بدأ يهتم ويركز على ذلك التاريخ وأن هناك بعضا منهم بدأ يؤلف في هذا الجانب ، ولو أنها محاولات متأخرة إلا أنها مهما يكن فهي محاولات جيدة لأننا لا يمكن أن نعتمد فقط على ما كتبه الغربيون وبالذات البريطانيون الذين هم سبب المشكلة لأن تناولهم للأحداث يأخذ الجانب الاستعماري فقط مما أدى إلى تشويه سمعة العمانيين.


ومن النقاط المضيئة الآن صدور كتاب جديد عن دار الحكمة يباع الآن في مكتبات السلطنة بعنوان ( زنجبار- شخصيات وأحداث ) تأليف ناصر بن عبد الله الريامي.

2

يعتبر هذا الكتاب من الكتب المهمة جدا فهو الكتاب الأول الذي تناول الوجود العماني في شرق أفريقيا وبالذات القصة الحقيقية لما سمي بالانقلاب بمنظور عماني ، إذ اعتمد المؤلف على لقاءات الشخصيات التاريخية الفاعلة في تلك الفترة منهم السلطان جمشيد بن عبد الله بن خليفة بن حارب آل سعيد آخر السلاطين العمانيين في زنجبار ، وزار العديد من الباحثين والمهتمين بالشأن العماني في أفريقيا وكذلك زار الأرشيف الوطني الزنجباري وهو في الحقيقة الأرشيف الوطني العماني لما يحويه من وثائق عمانية من مراسيم سلطانية وقرارات إدارية ومراسلات رسمية والصحف والصور ، واعتمد المؤلف كذلك على المراجع العربية والأجنبية والمخطوطات وسافر إلى بلدان كثيرة وبحث ونقّب مما أعطى الكتاب قيمة علمية كبيرة حيث يعتبر عملا وطنيا صرفا يركز بالأضواء الكاشفة على ذلك التاريخ المجهول والمنسي من تاريخ عمان المجيد وهو التاريخ المرشح للزوال أو للتشويه من الكثيرين قد يكون على رأسهم الأقربون قبل الأبعدين لأنه تاريخ لم يتجاوز نطاق محفوظات الصدور كما أشار إلى ذلك المؤلف نفسه.


لقد جاء كتاب زنجبار شخصيات وأحداث دفاعا عن قضية الفاتحين العمانيين الذين رفعوا راية الإسلام والعروبة في شرق أفريقيا وصنعوا المجد العماني هناك بعد أن نصبوا فيها مشاعل الحضارة والمدنية الحديثة.


وقد استطاع المؤلف ناصر الريامي أن يفند الكثير من الأباطيل والترهات والافتراءات التي نسجتها أقلام الاستعمار البغيضة ضد الحكم العماني في شرق أفريقيا خاصة والعمانيين عامة ، واستطاع ببراعة أن يوثق جانبا مهما من التاريخ العماني الزنجباري في ظل افتقار مكتبات التاريخ إلى مادة تاريخية متخصصة في أحداث زنجبار وشخصياتها وهي شخصيات كانت تمثل صفوة المجتمع العماني آنذاك ولم يتم التركيز عليها أبدا ، فالصفوة كانت تمثل كافة الجوانب من فقهاء وعلماء وقضاة وشعراء وأدباء وكتاب وصحفيين ورحالة ومغامرين وتجار ، ولو أن المؤلف اكتفى بصور الشخصيات العمانية في زنجبار التي نشرها في آخر الكتاب لكان ذلك يكفي ولكن كيف به وقد تحدث عنها باستفاضة ؟

3

بقدر ما هو شيء مهم وعظيم توثيق التاريخ العماني في زنجبار إلا أن من يطلع على هذا الكتاب فإنه يصاب بحسرة وألم لما آلت إليه الأمور هناك خاصة بعد أن يطلع على المؤامرات التي حيكت ضد هذا الوجود وضد الأسرة الحاكمة التي لها الفضل الكبير في تطور ورقي الشرق الأفريقي كله خاصة العاصمة زنجبار التي ترقد على ثراها شخصية عبقرية نادرة في الوطن العربي هي السيد سعيد بن سلطان الذي أسس الحكم العماني الحديث هناك وبنى دولة عصرية كانت الأولى في القارة كلها وهو الذي بنى اقتصاد زنجبار بزراعته للقرنفل في تلك الجزيرة والذي أصبح مصدر الدخل الرئيسي الآن ، وقد كانت زنجبار أول دولة في شرق أفريقيا تدخلها الكهرباء وكذلك الهاتف وشبكة المياه التي تأسست منذ عام 1872 وفي تسيير خط للملاحة البحرية بين زنجبار وعدن التي كانت ميناء مهما جدا ، كما أن شبكة الاتصالات الهاتفية بين زنجبار وعدن بدأت عام 1879 ، كما تم إنشاء أول مطبعة ربما في القارة الأفريقية كلها هي المطبعة السلطانية التي طبعت أمهات الكتب العمانية وأصدرت الصحف العربية ، وكل ذلك قبل وصول البريطانيين إلى هناك والفضل في ذلك يعود إلى عهد السيد سعيد بن سلطان وإلى عبقريته وبعد نظره ورؤيته المستقبلية.


ومن الفصول المهمة في الكتاب الفصل الرابع الذي عنونه المؤلف بسقوط زنجبار استعرض فيه انقلاب يناير الأسود والدموي عام 1964 ، حيث ركز على أهم التفصيلات منذ البدايات الأولى وحتى لحظات الإعلان عن سقوط زنجبار باسناد خارجي معتمدا على المقابلات الشخصية وعلى الوثائق الخارجية منها وثيقة مهمة صادرة عن وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية والتي تشير إلى أنه كان هناك أكثر من مخطط لإسقاط الحكومة العمانية ، ويشرح بالتفصيل الكيفية التي مكنت الإنقلابيين من الإطاحة بالحكومة رغم قلة عتادهم ، ولقد تضمن الفصل أهم القرائن المؤيدة لفرضية التدخل الانجليزي لإنجاح الانقلاب ، وهي أصبحت الآن حقيقة مؤكدة.


وهناك معلومات مهمة جدا تناولها ناصر الريامي في كتابه وهي التدخل الإسرائيلي في شؤون القارة الأفريقية وهي السياسة المعلنة منذ بداية إنشاء إسرائيل والتي أشرت إليها في مقال سابق لي في (الشبيبة) تحت عنوان ( تفتيت السودان – مصلحة إسرائيلية ) ، حيث أشار ناصر إلى نجاح جولدا مائير وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك في استمالة المعارضة في زنجبار حيث زودتها بالكثير من المساعدات المالية والعينية لأن الحكومة العربية في زنجبار تعاطفت مع القضية الفلسطينية – وهذا طبيعي - وهو الأمر الذي دعا رئيس الوزراء الزنجباري إلى الإعلان صراحة عن معارضة حكومته لإسرائيل وذلك في الخطاب الذي ألقاه يوم الاستقلال العاشر من ديسمبر 1963 ، وأورد ناصر الريامي معلومات مهمة أخرى في هذا السياق عن الزيارة الخاطفة التي قام بها لزنجبار موشيه ديان – الذي أصبح وزيرا للحرب في إسرائيل – في الفترة السابقة لسقوط الحكومة الشرعية ، ثم الزيارة التي قام بها لزنجبار ديفيد كيمحي ( كيمكي ) وهو النائب الثاني لرئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد والمسؤول عن الشؤون الإفريقية وذلك فور سقوط زنجبار ومغادرة السلطان جمشيد إلى منفاه ، حيث استقر كيمحي في مقر قائد الانقلاب وتقابل معه دون أن ينشر حتى الآن ما دار بينهما من حديث أو اتفاقيات ، لكن الوثائق التي تنشرها إسرائيل ستوضح يوما ما عما دار في ذلك الاجتماع وسيقول التاريخ حتما قوله في تلك المأساة.

4

لقد مرت خمسون عاما أو تكاد سريعة على الأحداث التي جرت في زنجبار في ذلك التاريخ الأسود ، ولكن المؤسف حقا هو أن ينمحي كل أثر عماني هناك وذلك بتقصير عماني واضح ، وبرغبة أخرى من آخرين لهم عقدة من التاريخ العماني حيث يحاولون سرقة تاريخ غيرهم أو تبني تزوير التاريخ بما يملكون من مال وإعلام.


ولا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لآلاف الناس أن يقتلوا في مذبحة لم يتكلم عنها أحد أبدا ولم يدافع عنهم أحد ؟ كيف لأناس تعرضوا للاغتصاب ونهب ثرواتهم وأموالهم ولا يتكلم عن ذلك أحد ؟ كيف يمكن إلغاء تاريخ كامل وهوية كاملة من بلد ساهم في بنائه وتطويره عمانيون ؟


إن المسؤولية كبيرة على الجهات المعنية في الدولة لإعادة الاعتبار إلى ذلك الجزء من تاريخ الوطن بالحفاظ على ذلك التاريخ والإرث الحضاري كل في مجاله ، وقد قال لي من ذهب إلى الأرشيف الوطني الزنجباري إن كل الوثائق العمانية مهددة بالانقراض لسوء حال الأرشيف وهو لا يحتاج إلى الشيء الكثير لإصلاحه ، وهناك ولله الحمد محاولات جادة من رجل أعمال إماراتي - جزاه الله خيرا عنا وعن عمان - للحفاظ على الوثائق والمخطوطات العمانية في الارشيف و قد قطع شوطا كبيرا في ذلك حيث يصوّر نسخة منها ويأخذها لمكتبته.


لقد اطلعت على كتاب صدر في أبوظبي عن العمارة الإسلامية في زنجبار به صور عن قصور السلاطين العمانيين العظام واطلعت على المقبرة السلطانية وقبر السيد سعيد بن سلطان رحمه الله فأصابني غم فوق غم من ذلك الإهمال الذي لحقهم ، ولكن هل لي أن ألوم الزنجباريين وهم الذين انقلبوا على من كان لهم الفضل عليهم ؟


إن الحديث عن زنجبار يحتاج إلى مجلدات وليس إلى مقال واحد أو اثنين ويجب من الآن أن يستعد المهتمون بالوجود العماني في شرق أفريقيا لذكرى مرور 50 عاما على السقوط لأن الحق يجب أن لا يغيب ويجب أن تبقى الحقيقة ناصعة البياض ، ونتمنى من المسؤولين في وزارة الإعلام أن يهتموا بتوثيق التجربة العمانية هناك بأن يواصلوا تسجيل حلقات الوجود العماني في شرق أفريقيا التي قدّم منها الزميل محمد المرجبي حتى الآن جزءين فقط لأن في الجعبة الكثير ولأن الجيل الذي هاجر من عمان إلى أفريقيا ينقرض ، ولا يخفى ما حققه الجزءان من نجاح ومتابعة جماهيرية ، والخطوة التالية المطلوبة من الزميل محمد هي توثيق تلك التجربة في كتاب وقد أخبرني الزميل إبراهيم اليحمدي أنه تقدّم بطلب للمسؤولين في وزارة الإعلام اقترح فيه برنامجا توثيقيا عن المخطوطات العمانية في الأرشيف الوطني الزنجباري وهو صاحب تجربة في هذا المجال ، إلا أن الرد تأخر أكثر من سنتين ربما لظروف مالية ولكن ما هي قيمة المال ؟ وفي الواقع هناك بعض الشركات تستطيع أن تتبنى برامج كهذه التي ستبقى في مكتبة التليفزيون مدى الدهر وفي المقابل سوف تجذب فئة مثقفة مهمة لمتابعتها بدلا من الاعتماد فقط على برامج صناعة الخزفيات والجحال وكأن ذلك هو التاريخ العماني أو كأن الشهرة العمانية مستمدة فقط من تلك الصناعات التي لم يعد يستخدمها أحد الآن ، والكثيرون في العالم يربون نحل العسل ويصنعون المهفة واللهّابة والخزفيات والجحال ولكن ليس كل أحد لديه ذلك الإرث التاريخي والثقافي ، ومن المثير أن من يملك ذلك التاريخ والإرث يهمله ومن لا يملكه يحاول أن يتبناه أو يسرقه !

5

لقد بذل ناصر بن عبد الله الريامي على مدى سبع سنوات أو أكثر جهدا كبيرا في سبيل إخراج هذا الكتاب "الوثيقة" إلى النور ، وقراءته شبه واجب على كل عماني وعمانية حتى يكونوا على بينة في كثير مما خفي عليهم أو أشكل عليهم فهمه في أحداث زنجبار.


منشورة في جريدة الشبيبة العمانية في 12 مايو 2009م

Popular Posts

Followers

My Travel Map

تأخير الصلاة