site meter

search

Google

result

Tuesday, December 27, 2011

أسباب حركة الشارع العربي للثورات

زاهر بن حارث المحروقي
سلطنة عمان

 لقد طرحت انتفاضات الشعوب العربية أسئلة كثيرة للنقاش معظمها تركز حول ماهية الأسباب الحقيقية وراء هذه الانتفاضات، وانبرى الكثيرون يقدمون تحليلاتهم حول ما عُرف بالربيع العربي أو الفوضى الخلاقة حسب مخطط كونداليزا رايس لبناء الشرق الأوسط الجديد الذي نادى وبشّر به شيمون بيريز رئيس الكيان الاسرائيلي، وسواء كانت هذه الانتفاضات بتخطيط من الخارج أم لا إلا أنه لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل الأسباب الداخلية وهي الأساس في كل الحركات التي انطلقت في الوطن العربي بدءا من تونس وتكاد تكون هذه الأسباب مشتركة ويأتي في مقدمتها على الإطلاق الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعانيها المواطنون العرب رغم الثروات الهائلة التي تملكها هذه الأوطان.

وهذا بدوره أدى إلى الظلم السياسي الذي تمثل في سوء رعاية مصالح الناس في جميع نواحي الحياة حتى صارت الأمة العربية في مؤخرة الركب مما أدى إلى نشوء حالة "المقاومة السلبية" أولا وهي عدم تفاعل الشعوب العربية مع قرارات الحكومات إذ أن القرارات تكون في صوب ويكون المواطنون في صوب آخر، ثم انتقل إلى"المقاومة الإيجابية"، وهو ما حذر منه من سنوات طويلة الأستاذ الراحل أحمد بهاء الدين عندما كتب عدة مقالات في مجلة العربي الكويتية عن شرعية السلطة في الوطن العربي

 ورغم أن العالم تغير الآن مع انفتاح العالم ولم تعد وسائل الإعلام المحلية هي التي توجه الناس وصار بإمكان أي مواطن عربي أن يتابع ما يحدث في العالم من غرفة نومه أولا بأول ويتفاعل مع ما يحدث خارج وطنه عن طريق التواصل من الآخرين، إلا أن الحكومات العربية ظلت على ضلالها القديم وتعاملت مع المواطنين كأنهم لا يعقلون شيئا، وبدلا من أن تساير العالم وتبحث عن الحلول الحقيقية لمشاكل الناس سارعت إلى التضييق على الحريات حتى انفجرت الأوضاع في كل مكان، ويبقى خير دليل على مدى تأثر المواطنين العرب بما يجري حواليهم هو الشرارة الأولى التي أطلقها محمد البوعزيزي في تونس والتي انطلقت بعدها إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا وهي مرشحة لأن تستمر في كل مكان في الوطن العربي لتشابه الظروف مع اختلافات بسيطة فقط بين قُطر وآخر، طالما أن القائمين على هذه الأوطان لا يريدون أن يعترفوا أن العالم تغير وأن الشعوب العربية كسّرت ما كان يعرف بحاجز الخوف وأن الشباب يقتدي بما يفعله الشباب مثله خارج وطنه

 ومن الصعب إجراء مقارنة بين الدول العربية التي قامت فيها الثورات والانتفاضات الشعبية وبين الدول الأخرى الغنية لأنّ من يقرأ التقارير الغربية عن حجم الأرصدة العربية في البنوك العالمية وفي الصناديق السيادية ويقارن بين أحوال المواطنين في هذه الدول سيصاب بدهشة، وإذا قرأ عن حجم ثروات المسؤولين العرب الذين اغتنوا من قوت الشعوب سيصاب بسكتة دماغية أو قلبية أيهما أكبر!

لقد كانت المشكلة الكبرى أن ثروات الأوطان العربية ظلت تدور بين فئة صغيرة جدا في كل وطن لا تتعدى أصابع اليدين فيما بقي السواد الأعظم من الشعوب تحت خط الفقر، وتوجهت بعض الحكومات إلى خصخصة القطاع العام ومؤسسات الدولة دون دراسة وافية، مما أدى إلى إضعاف هذه الحكومات وبقائها مرهونة في يد الجشعين من التجار أعضاء العصابات المالية وأصبح كل شيء قابلا للبيع من الضمائر إلى الأوطان، ولعل التحقيقات التي جرت في كل من تونس ومصر وليبيا فيها الدليل على الفساد الذي رافق المؤسسات الرسمية في هذه الدول وفي ذهني قضية صفقة بيع الغاز

 وإذا كانت الظروف الاقتصادية هي السبب الرئيسي والمحرك الأول لكل الثورات في كل مكان في العالم فإن الوطن العربي ليس استثناء عن هذه القاعدة فالأوضاع الإقتصادية الصعبة للمواطنين العرب كانت السبب الأساسي لهذه الثورات، وكل ما قيل عن أسباب الثورات من بحث عن كرامة وحرية وديمقراطية فإن كل تلك الأسباب كانت نتيجة للأوضاع الاقتصادية السيئة للناس مقابل سرقة مقدرات الشعوب علنا دون حسيب ولا رقيب، ولو فرضنا أن الشباب يجد التعليم الجيد ثم يجد العمل وأن الشعوب تجد قوت يومها بسهولة وتجد أسباب الحياة الكريمة من دراسة وعلاج ووظائف ومسكن وملبس هل كان يمكن أن تفكر فيمن يحكم أو لا يحكم وهل سيستمر في الحكم أو لا؟

 لقد نشأ عن الأوضاع الاقتصادية السيئة كبت للحريات وصارت الحكومات تتعامل مع المواطنين بأن تلغيهم كبشر لهم حقوق واهتمت فقط في الواجبات المطلوبة منهم وغالبا هو تقديم الولاء فقط، أما من كان له رأي أو يحاول أن يسلط الضوء على الفساد ويكشف المستور خدمة للوطن والصالح العام فإن مصيره إلى الجحيم!

لقد وصل المواطنون العرب إلى "الحالة الثورية" لأنهم لم يجدوا من يستمع لهم ونتيجة للمعاناة اليومية من القهر عن طريق الاستبداد السياسي والتعذيب والتنكيل وعدم إعطاء الشعوب حرية الرأي والتعبير وحرية اختيار الحياة الكريمة التي يحلمون، ونتيجة لتفشي الفساد في كل المرافق وانتشرت الرشوة وضاعت الضمائر والأمانة واختفت روح الجماعة بأن أصبح الكل يبحث عن مصلحة شخصية فقط لأن الوضع العام كله هكذا، في وقت نجد فيه أن الإعلام يتغنى بالمنجزات فقط من الصباح إلى الليل ولا يتفاعل معه أحد ولا يصدقه، لأن الإنسان - مهما يكن- لن تستطيع أن تقول له أنت إنسان محظوظ لأنك شبعان، في وقت يتضور بطنه جوعا

 إن هذه بعض أسباب الثورات العربية وليست كلها ولكنها كفيلة بأن تحرك الشارع العربي لتراكمها من سنوات طويلة مما جعل البيئة العربية بيئة خصبة لنجاح أي مؤامرة خارجية لأن التربة صالحة وجاهزة، وقد اتفقت مصالح المواطنين الحالمين بالحرية مع المخططات الخارجية لإضعاف الأمة، وهنا يمكن لنا أن نسأل هل حققت هذه الثورات النجاح؟ وهل تحقق للمواطنين ما كانوا يصبون إليه ويحلمون به أم أن هذه الثورات جاءت عكس ما كانوا يريدون؟

منشور في جريدة الرؤية العمانية

Popular Posts

Followers

My Travel Map

تأخير الصلاة