site meter

search

Google

result

Tuesday, December 29, 2009

نداء جميلة بو حريد


زاهر بن حارث المحروقي
كاتب عماني


" 1 "


لم تهزمها فرنسا بجيشها وجبروتها وإنما الذي هزمها هو الجوع والمرض والاهمال الذي ينال الشرفاء والمجاهدين في الوطن العربي ، إنها جميلة بو حيرد التي - للأسف - لا يعرف عنها شيئا الجيل الجديد بل حتى الجيل القديم لأن مفاهيم الناس الآن قد تغيرت وفقدت الكثير من المصطلحات بريقها وتجاوزها الزمن مثل الكفاح والنضال والوطنية والعزة والكرامة واختلطت فيه المفاهيم لدى الناس فأصبح العدو صديقا والصديق عدوا وأصبحت سيرة الأبطال كأنها خرافة أو مجرد تاريخ ولىّ .

ولدت جميلة بوحريد عام 1935 في حي القصبة بالجزائر العاصمة وهي مجاهدة جزائرية تعد الأولى عربياً إبّان الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي وعندما اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954 انضمت إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية للنضال ضد الاحتلال الفرنسي وهي في العشرين من عمرها ولم تهتم بالمكياج أو وضع الحُمرة على شفاهها أو متابعة موضة الأزياء الباريسية أو غيرها رغم جمالها ، ولكنها التحقت بصفوف الفدائيين وكانت أول المتطوعات لزرع القنابل في طريق الاستعمار الفرنسي، ونظراً لبطولاتها أصبحت المطارَدة رقم 1 وتم القبض عليها عام 1957 عندما سقطت على الأرض تنزف دماً بعد إصابتها برصاصة في الكتف وبدأت رحلتها القاسية من التعذيب بصعق كهربائي لمدة 3 أيام وتحملت التعذيب الذي تجاوز حدود الإنسانية بقطع أعضاء حساسة من جسمها مع ذلك لم تعترف على زملائها ثم تقرر محاكمتها صورياً وصدر ضدها حكم بالإعدام وجملتها الشهيرة التي قالتها آنذاك " أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام لكن لا تنسوا إنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة " بعد 3 سنوات من السجن تم ترحيلها إلى فرنسا وقضت هناك 3 سنوات ليطلق سراحها مع بقية الزملاء عام 1962.

" 2 "

بعد صمت ظل عقودا استفاق الجزائريون والعرب على نداء شكل صدمة للكثيرين حين وجهت المجاهدة الجزائرية جميلة بوحيرد رسالة إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وأخرى إلى الشعب الجزائري نشرت عبر صحيفتي الشروق والوطن الجزائريتين يوم 12/12/2009 اشتكت من خلالهما من حالها ووضعيتها الاجتماعية مؤكدة أنها مريضة وفي حاجة إلى علاج وأن المنحة التي تحصل عليها من الدولة لا تكفيها ، وذكرت بوحيرد في رسالتها للجزائريين أنها تتوجه للشعب المعروف بكرمه وشهامته ، واختارت أن تقدم نفسها من خلال القول إن اسمها جميلة بوحيرد وأنه كان محكوماً عليها بالإعدام عام 1957 من طرف المحكمة العسكرية بالجزائر العاصمة ، وأضافت أنها تعيش حاليا وضعا صعبا بسبب المرض الذي يتطلب حسب الأطباء 3 عمليات جراحية مكلفة ومعقدة وهي لا تملك الإمكانيات اللازمة لمواجهة تلك الأعباء علما بأنها لا مصدر دخل لها سوى المنحة التي تحصل عليها من وزارة المجاهدين وطلبت جميلة بوحيرد من الجزائريين مساعدتها كل على قدر المستطاع ، كما وجهت المجاهدة رسالة أخرى إلى الرئيس بوتفليقة ضمنتها عتابا شديدا مؤكدة أن المنحة التي تحصل عليها من الدولة لا تضمن لها العيش الكريم وأن ديونها لدى الجزار والبقال خير دليل على وضعيتها الصعبة وأنها لم يسبق وأن فكرت في اللجوء إلى الحصول على مساعدات مالية غير مشروعة وأن مجاهدين ومجاهدات أخريات يعيشون الظروف الصعبة نفسها ، واستطردت قائلة: إن ما يتقاضاه المجاهدون لا يرقى إلى المبالغ الكبيرة التي يتقاضاها نواب البرلمان ، ودعت الرئيس بوتفليقة إلى إعادة النظر في المنحة المتواضعة التي يحصل عليها المجاهدون ليعيشوا بكرامة ما تبقى لهم من أيام

لقد نصح طبيب فرنسي جميلة أن تسجل نفسها في الشبكة الاجتماعية الفرنسية لتستفيد من الرعاية الصحية لكنها رفضت ذلك بشدة وقالت كيف أعالج بأموال الدولة التي استعمرتنا وحاربتنا ؟

 " 3 "

تقول زهية منصر في صحيفة الشروق الجزائرية إن الآلاف اتصلوا بالجريدة معبرين عن استعدادهم للتكفل بعلاج جميلة بوحيرد منهم جزائريون مقيمون بالداخل وبالخارج مستنكرين أن تصل حال المجاهدين إلى هذه المرتبة من السوء وهم الذين صنعوا تاريخ الجزائر الحديث ، وقد شملت قائمة المتصلين بالجريدة أساتذة ومثقفين وتجار وحرفيين ومن مختلف شرائح الشعب الجزائري الذين عبروا عن مساندتهم المطلقة والاستعداد التام للتكفل بالبطلة بوحيرد، وطالبوا بإيجاد حساب جاري لجمع الأموال لها ، وكان المتصلون يتوزعون بين مذهول ومتحسر وبين من لم يصدق الخبر ، كيف يمكن لواحدة من جميلات الجزائر وصانعات ملاحمه أن تصل بها الأوضاع إلى هذا الحال؟

إن الناس لا تزال بخير وإن الإنسان يقف بالفطرة مع الحق ولكن الأمة تحتاج إلى من يظهر هذا الحق وسط ضياع الشباب العربي بين الفضائيات المائعة وبين غياب الهدف ، وخير دليل على ذلك أن نداء جميلة بوحيرد حرك مشاعرالوطنية في أبناء الشعب الجزائري من الأجيال الجديدة الذين اعتبروا أن التكفل بها هو أقل ما يمكن أن يمنح لأم 40 مليون جزائري.

وقد انتقدت بعض التعليقات في موقع صحيفة الشروق الاهتمام الذي يوجه للراقصات والفنانين في الوقت الذي تهان فيه رموز الجزائر حيث قالت إحدى الأستاذات ماذا أقول للتلاميذ والطلبة الذين أدرسهم بعد اليوم عندما يقرأون ما وصلت إليه بوحيرد التي كنت دائما أقول عنها لتلاميذي هي أسطورة وهي شرف الجزائر .

ومن الظواهر الإيجابية أيضا أنه بعد ساعات قليلة فقط بعد صدور نداء الاستغاثة الذي وجهته جميلة بوحيرد هبت جماعة من الشباب لإطلاق حملة واسعة على موقع الفيس بوك على الانترنت من أجل مساعدتها وقاموا بإعادة نشر رسالتها والعديد من صورها وجزء من تاريخها النضالي ، وأغلب الذين أطلقوا الحملة من شباب الجامعات والمعاهد والثانوية الذين أبدوا استعدادهم جميعا لمؤازرة المجاهدة والتكفل بها .

" 4 "

لقد حرك نداء جميلة بو حيرد المياه الجزائرية الراكدة وأخرج الناس من أجواء الحرب الإعلامية بين مصر والجزائر بسبب مباراة في كرة القدم حيث تناقلت صحف الجزائر ومواقع الأنترنت الموضوع وجرى نقاش ساخن جدا بين الجزائريين في المنتديات والمواقع التفاعلية على شبكة الأنترنت خصوصا الفيس بوك، وانقسم المهتمون بين مؤيد ومعارض وحتى مشكك ، واتهم بعض المشاركين السلطات الجزائرية بـتعمد تهميش رموز الثورة وقيادات كبيرة في البلد من أمثال بوحيرد ، بينما رفض آخرون التهمة وشددوا على أن الرسالة غير واضحة الهدف وأن هناك من دفع المجاهدة لتقول هذا الكلام لأنه من غير المعقول أن تكون مجاهدة كجميلة بوحيرد فقيرة لهذه الدرجة وهي التي ساعدت كثيرين في حل مشاكلهم مع السلطات .

لست مع المؤيدين أو المعارضين أو المشككين ولكن نداء جميلة بو حيرد أظهر حقيقة جلية وهي أن الأمة الآن تعيش وضعا مقلوبا حيث اختلط فيه الحابل بالنابل وفي ذهني ما أصاب الفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا رمزا للنضال والكفاح العربي ضد الصهيونية والذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الأمة كلها وليس في سبيل القضية الفلسطينية فقط ، فهم الآن كما قرأت في أحد التقارير التي نشرت في القدس العربي يعيشون أوضاعا سيئة للغاية ولا يجيدون قوت يومهم ولا يجدون الدواء بل ولا يجدون أبسط حقوق الإنسان كالمتطلبات اليومية بعد أن تشتتوا منذ عام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان والقضاء الفعلي على منظمة التحرير الفلسطينية وهم يدفعون الآن ثمن مبادئهم ونضالهم وكفاحهم بعد أن أصبحت إسرائيل هي الصديق وبعد أن أصبح الفلسطينيون أعداء بعضهم البعض وبعد أن تغيرت المفاهيم لدى الناس .

ويرى خضير بو قايلة وهو كاتب وصحفي جزائري في القدس العربي أن ( فضيحة ) جميلة بوحيرد جاءت في ظرف حاسم من تاريخ الجزائر لتعيد الشعب أو الغافلين منه إلى رشدهم وتوقظهم من غيبوبتهم لكنها أيضا جاءت متأخرة بعقود طويلة ، عقود هلك فيها من هلك وأحبط من أحبط وهمش من هُمش وتحطم من تحطم، عقود لو قالت فيها جميلة بوحيرد وغيرها من الساكتين عن الحق كلمتهم لما وصلت البلد إلى ما هي عليه الآن ولعلم الذين يتاجرون باسم الوطنية والجهاد أنهم يتاجرون بعملة مزورة ويحطمون بلدا وشعبا باسم أغلى ما يملك من قيم .

إن في العالم العربي نماذج كثيرة تظهر أن كثيرا من المجاهدين الحقيقيين والمخلصين للأوطان والذين خدموا وأعطوا بإخلاص عاشوا على هامش الحياة مجهولين وفقراء بينما حصل أناس أو فئات على أعلى الامتيازات مقابل التملق والولاء المزيف مقابل النفوذ الذي يتمتعون به .

ولنا أن نسأل كم من جميلة في الوطن العربي هُضم حقها ؟ وكم من مخلص ومبدع مات حسرة ؟ ثم كم من أناس أو فئة استغلوا خزائن الأوطان بالباطل وأكلوا حقوق وأموال الشعوب بغير حق وهم لم يقدموا شيئا للوطن .
 
إن الصورة التي تكاد تكون متشابهة في الوطن العربي هي تداخل المصالح بين رجال الأعمال ورجال السياسة واختلط الأمر بينهم حتى أصبح رجال المال يديرون الدول وأصبح السياسيون تابعين لهم وفي النهاية صارت الأوطان مجرد مزارع كبيرة تملكها فئة صغيرة وتداخلت المصالح بشكل كبير وبالتالي أصبح المواطنون هم الضحايا واختفى شيء اسمه الأخلاق والمبادئ وأصبح كل شيء قابلا للبيع من الأوطان إلى الضمائر.
 
منشورة في جريدة الشبيبة العمانية

No comments:

Popular Posts

Followers

My Travel Map

تأخير الصلاة